الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

235

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من ثمراته وغاياته فميل النفس إلى أحد الجانبين بعد ملاحظة الداعيين والغايات المترتبة على الأمرين من الفعل والترك الذي هو عين الإرادة إنما يتبع ما عليه نفسه من السعادة والشقاوة وغلبة جهة الحق والباطل وغير ذلك من الصفات المناسبة لتلك الأفعال فيترجح عنده أحد الجانبين من جهتها وظاهر أن ذلك غير موكول إلى اختياره بل لا مدخلية لإرادته ومشيّته في حصوله بل الإرادة تابعة له وكون ذلك الداعي خارجا عن اختيار المكلف لا يقضي بكون الفعل أو الترك المترتب عليه خارجا عن قدرته واختياره كما توهمه المورد ضرورة كون الفعل تابعا لمشيته واختياره وليست حقيقة القدرة والاختيار إلا ذلك فإذا كان كل من الفعل والترك موكولا إلى مشية الفاعل لا غير فإن شاء فعل وإن شاء ترك كان ذلك الفاعل قادرا مختارا بالضرورة وإن كان مشية لأحد الطرفين بالوجوب نظرا إلى ما ذكرناه فإن ذلك لا ينافي صدق الشرطية المذكورة التي هي من اللوازم البينة كحقيقة القدرة أو عين حقيقتها فكون الفعل مقدورا عليه لا يقضي بكون الدواعي أيضا مقدورا عليها داخلة تحت اختيار المكلف وإنما الاختيار متعلق بالأفعال الصادرة منه المتعلقة لمشيته من جهة إناطتها بها وجودا وعدما وأما المشية فهي مقدور عليها بنفسها صادرة عن اختيار المشي بخلاف الدواعي الباعثة عليها فإذا كانت الدواعي خارجة عن اختيار المكلف لم يكن متعلقة للتكليف وإن تعلق التكليف بالفعل المقدور عليه فحينئذ نقول إن كان الصارف عن الفعل حاصلا حصل الترك من غير أن يتوقف حصوله على الإتيان بضد من الأضداد وإنما يكون الإتيان به من لوازم وجود المكلف إن قيل بامتناع خلوه عن الفعل وإن لم يكن حاصلا وتوقف الترك على الإتيان بالضد وجب ذلك من باب المقدمة حسبما قرره وقد يورد عليه بأن خروج الداعي عن اختيار المكلف لا ينافي تخييره بين ذلك وما يكون حصوله باختياره نظرا إلى قيام الوجوب في المخير بأحدهما ومن الظاهر أنه إذا كان واحد منهما مقدورا عليه كان القدر الجامع بينهما مقدورا عليه أيضا فيصح التكليف به فإن حصل غير المقدور عليه اكتفي به في سقوط الواجب بالنسبة إلى زمان حصوله على ما هو الشأن في المخير وإلا وجب عليه الإتيان بالآخر ولا ينافي ذلك وجوب القدر الجامع عليه عند دوران الأمر بينهما بالنسبة إلى الزمان المتأخر حسبما قرر في الجواب المتقدم فبذلك يتم الاحتجاج أيضا ويرد عليه أن تعلق التكليف بغير المقدور ولو على سبيل التخيير سفه لا يقع من الحكيم ألا ترى أنه لا يصح التكليف بالجمع بين النقيضين أو صلاة ركعتين وإن كان القدر الجامع بينهما مقدورا عليه فلا وجه للالتزام به في المقام وفيه أنه يصح التكليف بالطبائع المطلقة مع أنه يندرج فيها الأفراد الكثيرة مما لا يتعلق بها القدرة ولا يمنع ذلك من تعلق الأمر بالمطلق إلا أنه يجب من إفراده على سبيل التخيير ما يتعلق القدرة بها من جهة الأمر بالمطلق فكذا الحال في المقام فليس المقصود وجوب غير المقدور على سبيل التخيير بل المدعى وجوب أحد الأمرين من المقدور وغيره فيتعلق الوجوب بالمقدور منه ويدفعه أن ذلك إنما يصح في الطبائع المطلقة مما يتحصل في ضمن الأفراد فيتبعه وجوب تلك الأفراد دون ما إذا تعلق الأمر بأمرين أو أمور على وجه التخيير فيتبعه وجوب القدر الجامع أو تعلق ابتداء بأحدهما على ما هو الحال في التخييري ولذا لا يصح في المثال المتقدم وفيه أن المفروض في المقام من قبيل القسم الأول فإن الوجوب إنما يتعلق بما يتوقف عليه الترك الواجب وهو يعم الأمرين فإن عدم الفعل قد يكون لانتفاء شرطه وقد يكون لوجود المانع منه فالوجوب إنما يتعلق بالكلي المذكور ويتحقق ذلك بكل من الأمرين المذكورين من الصّارف وفعل الضد ولا يتعلق بخصوص كل منهما ليدفع بما ذكر فإذا كان الصارف غير مقدور وجب عليه الآخر قلت إنما يتم ما ذكر إن أريد بالجواب المذكور في كلام المصنف كون الترك حاصلا تارة من جهة وجود الصّارف أعني انتفاء الإرادة أو سببها التي هي شرط في وجود الفعل وأخرى بوجود المانع الذي هو فعل الضد فلا يلزم من وجوب الترك القول بوجوب المباح مطلقا بل في خصوص الصّورة الأخيرة إذ حينئذ يتجه الإيراد عليه بما ذكر بل يرد عليه غير ذلك أيضا حسبما يجيء الإشارة إليه وأما إن أريد به غير ما ذكر حسبما يأتي بيانه فلا يتجه الإيراد المذكور من أصله وستعرف الحال إن شاء الله قوله وإنما هي من لوازم الوجود حيث نقول بعدم بقاء الأكوان إلى آخره يريد أنه مع وجود الصّارف عن فعل الحرام يتحقق ترك الحرام قطعا من غير أن يتوقف الترك على فعل من الأفعال إلا أنه إن قلنا بعدم بقاء الأكوان أو احتياج الباقي إلى المؤثر كان الاشتغال بفعل من الأفعال من لوازم وجود المكلف حيث إنه لا يمكن خلوه من كون جديد أو تأثير في الكون الباقي أما إذا قلنا ببقاء الأكوان واستغناء الباقي عن المؤثر لم يلازم الترك فعلا من الأفعال وأمكن انفكاكه عن جميع الأفعال هذا على ظاهر ما ذكر في الاستدلال فإن المنساق من الفعل هو التأثير وأما إن أريد بالفعل الأثر الحاصل من الفاعل سواء كان عن تأثير مقارن له أو سابق عليه فيبقى الأثر بنفسه فالتلبس بفعل من الأفعال حينئذ من لوازم وجود المكلف مطلقا إذ لا يمكن خلو الجسم عن الأكوان سواء قلنا ببقاء الأكوان واستغناء الباقي عن المؤثر أو لا فالمناقشة في المقام بأن الكلام في أن ما يصح وصفه بالإباحة هل يجوز خلو المكلف عنه أو لا فإن مقصود الكعبي بذلك نفي المباح رأسا ومن البين أن الأثر المستمر يتصف بالإباحة والحرمة ولذا يكون الساكن في المكان المغصوب متلبسا بالحرام وإن قلنا بالبقاء والاستغناء هينة جدا إذ لا يرتبط التفصيل المذكور بأصل الجواب وإنما هو استدراك مبني على ما هو الظاهر من لفظ الفعل المذكور في كلام المستدل فلا مانع عن سقوط ذلك لو فسر الفعل في كلامه بالمعنى الثاني والتزم بكونه من لوازم الوجود مطلقا وقد يناقش أيضا بأن البناء على تجدد الأكوان أو احتياج الباقي إلى المؤثر لا يستلزم عدم خلو المكلف عن الفعل لمنع وجوب استناد الكون من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق إلى محله لجواز استناده إلى غيره وأنت خبير بوهن الاحتمال المذكور لو أريد عدم استناده إلى المكلف رأسا كيف ولو كان كذلك لما صح اتصافه بالتحريم والإباحة ولو أريد به عدم استناد البقاء أو الأكوان المتجددة إليه فلا وجه لإمكان اتصافه بهما حينئذ من جهة التفريع إلا أنه لا يخلو عن بعد والأمر فيه سهل قوله وأما مع انتفاء الصارف وتوقف الامتثال إلى آخره أورد عليه بأن تسليم توقف ترك المنهي عنه على فعل الضد يستلزم الدور بعد ملاحظة ما سلمه أولا من توقف فعل أحد الضدين على ترك الآخر حسبما